أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
65
شرح مقامات الحريري
متفرقهم ، وجعل للأدب لحمة مجازا ، وجعل الأدب يجمعهم كما يجمع بني العلّات الأب ، والبلاد تفرّقهم ، كما تفرّق بني العلّات الأمهات . [ المودة بين الشعراء ] وهذا نحو ما يحكى أنّ دعبلا ذكر عند عليّ بن الجهم فكفّره ولعنه ، وقال : كان يظهر على أبي تمام وهو خير منه ، دينا وشعرا ، فقال له بعض من حضر : لو أن أبا تمام أخوك ما زدت على مدحك له ، فقال : إن لم يكن أخي في النّسب ، فهو أخي في المودّة والأدب ، أما سمعت ما خاطبني به وأنشد لأبي تمام : [ الكامل ] إن كان يجمعنا الإخاء فإننا * نغدو ونسري في إخاء تالد « 1 » أو يفترق نسب يؤلف بيننا * أدب أقمناه مقام الوالد وكرّر أبو تمام هذا المعنى ، فأحسن بقوله : [ البسيط ] ذو الودّ مني وذو القربى بمنزلة * وإخوتي أسوة عندي وخلّاني عصابة جاورت آدابهم أدبي * فهم وإن فرّقوا في الأرض جيراني أرواحنا في مكان واحد وعدت * أجسامنا في عرق أو خراسان وأنشد إسحاق الموصلي : [ الطويل ] يقولون لي هل من أخ أو قرابة * فقلت لهم إن الشّكول أقارب نسيبي في رأيي وعزمي ومذهبي * وإن باعدتنا في الولاء المناسب وليس أخي إلا الصحيح وداده * ومن هو في وصلي وقربي راغب وكان لسليمان بن وهب نديم يأنس به ، فعربد عليه ليلة فاطّرحه وجفاه فوقف له بالطريق ، فلما مرّ به وثب إليه ، ثم قال : أيّها الوزير ، لا تكن في أمري إلا كما قال عليّ ابن الجهم : [ البسيط ] القوم أخدان صدق بينهم نسب * من المودة لم يعدل به نسب تراضعوا درة الصّهباء بينهم * فأوجبوا لرضيع الكأس ما يجب لا يحفظون على السّكران زلّته * ولا يريبك من أخلاقهم ريب فقال : قد رضيت عنك رضا صحيحا ، فعد لشأنك . قوله الرتب : أي المنازل الرفيعة ، مثل كواكب الجوزاء ، أي في الإضاءة والرفعة ، والجملة المتناسبة الأجزاء ، أي المتّفقة ، يعني مقاديرهم في الفضل وغيره متساوية لا تفاضل بينهم ، كالجملة التي لا مزية لبعضها على بعض ، وأقل جملة حسابية أجزاؤها
--> ( 1 ) البيتان في ديوان أبي تمام ص 86 .